تمسك نتنياهو بالسيطرة على 60% من غزة.. حسابات انتخابية أم محاولة لعرقلة المرحلة الثانية؟

تمسك نتنياهو بالسيطرة على 60% من غزة.. حسابات انتخابية أم محاولة لعرقلة المرحلة الثانية؟
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

من قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، جدّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تمسّكه بالمناطق التي تسيطر عليها قواته والعمل على توسعتها، معلنًا أن الاحتلال يسيطر على نحو 60% من مساحة القطاع، وأنه لن يتراجع عن الخط، في تصريحات تتزامن مع استمرار المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار واقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

ولا تبدو هذه التصريحات منفصلة عن المشهد السياسي الإسرائيلي، خصوصًا أنها جاءت من موقع عسكري داخل غزة، وفي ظل إصرار نتنياهو على ربط الانسحاب بنزع سلاح حركة حماس، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كان التمسك بالوجود العسكري يمثل موقفًا تفاوضيًا ثابتًا، أم ورقة سياسية وانتخابية يسعى نتنياهو من خلالها إلى تعزيز صورته أمام الناخب الإسرائيلي.

وفي محاولة لفهم دوافع هذه التصريحات، وما تحمله من رسائل سياسية وميدانية، تحدثت "الاستقلال" مع عدد من المحللين السياسيين والمختصين بالشأن الإسرائيلي، للوقوف على حسابات نتنياهو، ومستقبل المفاوضات، وإمكانية أن تتحول قضية الانسحاب من غزة إلى عقدة تهدد مسار الاتفاق.

ويرى المحللون أن البعد الانتخابي يحضر بقوة في تصريحات نتنياهو، الذي يسعى إلى تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره الرجل القادر على تحقيق أهداف الحرب والحفاظ على المصالح الأمنية الإسرائيلية، فيما رجّح بعضهم أن يواصل خلال المرحلة المقبلة عمليات أمنية محدودة وتوسعًا تدريجيًا في مناطق سيطرته، بدلًا من الذهاب إلى عملية عسكرية واسعة.

ولم تقتصر رسائل نتنياهو على التمسك بالسيطرة على أجزاء واسعة من القطاع، إذ حاول أيضًا توظيف عملية أمنية نفذتها قوات خاصة من جهاز "الشاباك"، وأسفرت، وفق الرواية الإسرائيلية، عن اعتقال قائد جهاز الأمن الداخلي في غزة معين العرابيد، لتأكيد قدراته الأمنية والتلويح بمواصلة ملاحقة قيادات حركة حماس.

حسابات انتخابية

الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة اعتبرت تصريحات نتنياهو بشأن السيطرة على نحو 60% من قطاع غزة تأتي في إطار الدعاية الانتخابية ومحاولة تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره المنتصر في الحرب، وإثبات نجاحه السياسي والعسكري.

وأوضحت عودة لـ"الاستقلال" أن تصريحات نتنياهو لا تعني بالضرورة بقاء جيشه في كامل المساحة التي يسيطر عليها حاليًا، مشيرة إلى وجود ترتيبات دولية، وفق تقديرها، تقضي بتولي "مجلس السلام" إدارة القطاع بصورة مؤقتة، على أن يتبع ذلك انسحاب إسرائيلي تدريجي.

وأضافت أن استمرار الاحتلال في قطاع غزة يشكل عبئًا ماديًا وعسكريًا على إسرائيل، في ظل محدودية الموارد التي يمكن أن تستغلها، فضلًا عن أن استمرار السيطرة سيؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية والإضرار بصورة إسرائيل على المستوى الدولي.

ورجحت عودة أن تحتفظ إسرائيل، حتى في حال الانسحاب، ببضعة كيلومترات على حدود قطاع غزة كمنطقة أو حزام أمني يفصل المستوطنات الإسرائيلية عن القطاع، معتبرة أن تصريحات نتنياهو الحالية تبدو، في جانب كبير منها، دعائية تهدف إلى تسويق ما يعتبره إنجازًا عسكريًا أمام الناخب الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية، توقعت عودة أن يواصل نتنياهو إطلاق التصريحات السياسية والعسكرية التي تعزز صورته باعتباره "المنتصر" في الحرب، وأن يوظف عمليات الاغتيال والعمليات الخاصة ضد عناصر حماس في حملته الانتخابية، لكنها استبعدت أن تتجاوز تحركاته الحالية حد شن عملية عسكرية واسعة في القطاع.

وأشارت إلى أن نتنياهو قد يكتفي بتوسيع تدريجي للخط الأصفر، بالتزامن مع استمرار الاغتيالات والعمليات الخاصة، لتجنب إثارة غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وعد بإعطاء فرصة لمجلس السلام لإقناع حماس بتسليم سلاحها طوعًا.

وترى عودة أن نتنياهو يراهن على إطالة أمد المفاوضات إلى حين انتهاء الانتخابات، على أمل الفوز بولاية جديدة، وهو ما قد يمنحه هامشًا أكبر لاتخاذ قرارات أكثر حسمًا بشأن مستقبل قطاع غزة.

وأوضحت أن فوز نتنياهو قد يتيح له، بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، منح مجلس السلام والقوات الدولية مساحة أكبر للتحرك في القطاع، وإتاحة فرصة لتنفيذ ترتيبات نزع السلاح بعيدًا عن الضغوط الشعبية والانتخابية.

وفي المقابل، قد يحتفظ نتنياهو بخيار التهديد بشن عملية عسكرية واسعة في حال فشل مجلس السلام في إقناع حماس بتسليم سلاحها، ما يجعل ملف نزع السلاح عنصرًا أساسيًا في مسار المفاوضات خلال المرحلة المقبلة.

وحول دور الوسطاء، قالت عودة إن خياراتهم محدودة، لكنها رأت أن بإمكانهم اللجوء إلى مجلس الأمن والإدارة الأميركية للضغط على نتنياهو من أجل الانسحاب من القطاع، مشيرة إلى أن تجميد حماس لسلاحها وتسليمه إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وفق السيناريو الذي طرحته، سيضعف الذريعة التي يستخدمها نتنياهو لرفض الانسحاب ويمنح الوسطاء ورقة أقوى للضغط عليه.

مراوغة انتخابية

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي أ. فايز السويطي إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يواصل المراوغة في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، معتبرًا أن بقاء جيش الاحتلال في نحو 60% من مساحة القطاع يمثل تهربًا من استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق.

وأضاف السويطي لـ"الاستقلال" أن إعلان نتنياهو عدم الانسحاب من أجزاء واسعة من قطاع غزة يأتي في سياق محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، مشيرًا إلى أن إسرائيل قد تواصل شن هجمات بهدف تثبيت وتعزيز سيطرتها داخل القطاع.

وفيما يتعلق بالحسابات الانتخابية، رأى السويطي أن تراجع نتنياهو في استطلاعات الرأي مع اقتراب الانتخابات قد يدفعه إلى تعويض ما وصفه بـ"الفشل والعجز" عبر التصعيد العسكري، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، وربما في لبنان، وصولًا إلى احتمال توسيع المواجهة لتشمل إيران.

وأوضح أن "الورقة الوحيدة" التي يمتلكها نتنياهو حاليًا تتمثل في إطالة أمد المفاوضات والإبقاء على ملف نزع سلاح المقاومة مفتوحًا، واستخدامه ذريعة للقول إن حركة حماس تماطل في تنفيذ هذا الاستحقاق، بما يوفر له ذريعة لتأجيل استحقاقات المرحلة الثانية من الاتفاق أو عرقلة الانتقال إليها.

وحول دور الوسطاء، انتقد السويطي موقفهم، معتبرًا أنه لا يتجاوز حتى الآن حدود الشجب والاستنكار، داعيًا إلى اتخاذ خطوات عملية أكثر تشددًا، بما في ذلك الانسحاب من مهمة الوساطة إذا استمر نتنياهو في رفض تنفيذ التزاماته.

واعتبر أن مثل هذه الخطوة قد تشكل ضغطًا على الرئيس الأميركي وبقية الأطراف الموقعة على الاتفاق، وتضعهم أمام مسؤولياتهم في التعامل مع الموقف الإسرائيلي.

وحذر السويطي من أن استمرار الاحتلال في التمسك بالبقاء داخل أجزاء واسعة من قطاع غزة، بالتزامن مع إطالة أمد المفاوضات وربط تنفيذ المرحلة الثانية بملف نزع السلاح، قد يدفع باتجاه أزمة تهدد مستقبل الاتفاق برمته.

وبينما يحاول نتنياهو تثبيت ما يعتبره إنجازًا عسكريًا أمام جمهوره، تبدو تصريحاته بشأن البقاء في أجزاء واسعة من غزة مرتبطة في الوقت ذاته بحسابات انتخابية وتفاوضية، ما يجعل "الخط الأصفر" ليس مجرد حدود ميدانية، بل ورقة مفتوحة في الصراع السياسي حول مستقبل القطاع والمرحلة

التعليقات : 0

إضافة تعليق